محمود سالم محمد

117

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

أن يعبّر الشاعر تعبيرا ذاتيا محضا في الشكل والمضمون عما يكنه للرسول الكريم من مشاعر الحب والتقديس ، ومن هذه القصائد قصيدة لابن الساعاتي « 1 » في معارضة قصيدة كعب بن زهير بدأها بقوله : جدّ الغرام وزاد القال والقيل * وذو الصّبابة معذور ومعذول « 2 » وقد مزج في مقدمة قصيدته بين الغزل وذكر ديار المحبوبة ، ووصف الرحلة ، دون أن يفرق بينها ، ففارق كعبا في ذلك مثلما فارقه في طبيعة الغزل وفي الأسلوب الذي نحا فيه منحى الصنعة التي تفشت في أيامه ، حتى إذا استنفذ المقدمة التي بثّ فيها لواعجه وحنينه ، أظهر ما بنفسه من حزن ، لأن له أعداء ينتقصون منه ، فيرد عليهم قائلا : يا حاسدا نال من فضلي بمنقصة * عليك نفسك إنّ الجهل مفضول حسبي الثلاثة بالتّبريز شاهدة * البيد واللّيل والعيس المراسيل وكيف أخمل في دنيا وآخرة * ومنطقي ورسول اللّه مأمول وهكذا أنهى مقدمته بالرد على منتقصيه والفخر بنفسه ، واتخذ هذا مدخلا إلى مديح النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مدحا دينيا خالصا ، لم يخلطه بالمعاني التقليدية التي درج الشعراء على مدح رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بها ، والتي حفلت بها قصيدة كعب التي يعارضها ابن الساعاتي ، فقال : هو البشير النّذير العدل شاهده * وللشّهادة تجريح وتعديل لولاه لم تك شمس لا ولا قمر * ولا الفرات وجاراها ولا النّيل

--> ( 1 ) ابن الساعاتي : علي بن محمد بن رستم ، شاعر مشهور ، خرساني الأصل ، ولد ونشأ في دمشق ، وكان أبوه يعمل الساعات فيها ، تعاني الخدمة ومدح الملوك ، وسكن مصر ، له ديوان شعر . ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب 5 / 13 . ( 2 ) ديوان ابن الساعاتي : ص 47 .